عمر أحمد عمر

54

منهج التربية في القرآن والسنة

6 - التربية الروحية تطلق الروح على معنيين : أحدهما : ما يفارق به الحي الميت ، وما يجعل أعضاء الجسم وحواسه قادرة على الحركة والحس والقيام بوظائها . وليس هذا المعنى مقصودا في بحثنا ، فهو سر غامض ، لا يتمكن الإنسان من فهمه بعقله القاصر وعلومه المحدودة . قال تعالى : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . 135 وثانيهما : هو القوة اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان . وقد يطلق هذا المعنى على القلب ، وقد يطلق على النفس 136 . فمن إطلاق هذا المعنى على القلب ما جاء من وصفه بالخشوع والاطمئنان في قوله تعالى : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ 137 وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » . 138 « الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . 139 ومن اطلاقه على النفس ما جاء في قوله سبحانه : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » 140 وهذه الروح ميز اللّه بها الإنسان على سائر خلقه ، وجعله مستحقا التكريم والتفضيل : « وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ 141 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » . 142 والتربية الروحية أرفع أقسام التربية وأكثرها أهمية . وبقدر حصول الإنسان على التربية في هذا المجال يرتفع شأنه وتسمو نفسه . والنظم المادية التي تغفل عن هذه التربية تحط من شأن الإنسان ، وتخفض من مقداره ؛ لأن الإنسان ما هو إلا قبضة من طين ونفخة من روح اللّه ، ومن عناصر الطين يتركب جسده ، والجسد لا يحيا بدون الطعام والشراب المستخرجين من الطين . فالماء يتفجر من ينابيع الأرض ، ويجري فوقها أو ينزل من السماء ويختلط بترابها . والطعام الذي يتناوله الإنسان يحصل عليه من